"نيويورك تايمز" : معضلة فياض المستقيل ..

"نيويورك تايمز" : معضلة فياض المستقيل ..

 

باللغتين " العربية والانجليزية "
"نيويورك تايمز" : معضلة فياض المستقيل ..
روجر كوهين ..

"شوارع "العاصمة الفلسطينية" في الضفة الغربية بدت هادئة يوم السبت، الا ان سلام فياض، الذي استقال من منصبه كرئيس للحكومة قبل ثلاثة اسابيع، ما زال في مكتبه، انيقاً كما هو دائماً ببدلة وربطة عنق - غير قادر على الاستمرار ومع ذلك، في ما يبدو، غير مسموح له بان يغادر. ويمثل وضعه الحائر انعكاساً للشل والتفرق في الوضع الفلسطيني.

يدرك الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي اختلف مع فياض انه يحتاج الى الكفاءة العالية التي يتصف بها رئيس حكومته المستقيل. وهو يحتاج الى مكانة فياض في نظر الولايات المتحدة واوروبا وهما مصدر رئيسي لتمويل السلطة الفلسطينية المتداعية. وهو يحتاج الى قبضة فياض على الامن.

الا ان الحرس القديم في حركة "فتح" بما لديه من صفقات هادئة يريدون خروج فياض. و"حماس" تكن له الكراهية مفترضة انه العوبة بيد الاميركيين، وقد تعب عباس من هذا "الكاهن المضطرب" الذي تلقى علومه في الولايات المتحدة. ومن اجل ذلك فان الرئيس متردد، فهو يتمتم عن"حكومة وحدة" مع "حماس"، ولا يفعل شيئا يستحق الذكر. وفياض يداوم في مكتبه في وقت كان يمكن ان يتناول الحلوى فيه مع افراد عائلته.

قال لي فياض: "حكايتنا هي حكاية قيادة فاشلة، منذ وقت مبكر جداً. لكن مما لا يصدق ان مصير الشعب الفلسطيني هو في ايدي قادة غير مبالين بالمرة، تقودهم قرارات لحظية، من دون جدية. فنحن لا نضع استراتيجية لاعمالنا، ونتوصل الى صفقات باسلوب تكتيكي، ونجعل انفسنا رهائنلكلامنا الطنان".

كان فياض قد قدم استقالته لاول مرة في 23 شباط (فبراير). لم يوافق عباس عليها، وطلب الرئيس الاميركي باراك اوباما من فياض، مستشهداً بشهرته بين اعضاء الكونغرس الاميركي وفي ارجاء المنطقة، البقاء في موقعه خلال لقاء عمل وجها لوجه (كان الاول بينهما) في آذار (مارس). وتابع وزير الخارجية الاميركية جون كيري ذلك بثلاث او اربع مكالمات هاتفية. لكن ذلك كله لم يثمر: اذ بعد حوالي ست سنوات قضاها فياض في منصبه، بدا انه اكتفى من الرقصة التي لا توصل الى اي مكان،اي "مسيرة السلام" التي هي مسخ تحمله هاتان الكلمتان. وكان ان قدم استقالته في 13 نيسان (ابريل).

كانت طريقته ثورة: قوامها افعال ضد الاقوال، وبناء دولة بدلاً من الشعارات، وخطوات عملية بدلاً من الوقوف بلا حراك. كانت فكرته الجوهرية بسيطة: "اذا انت ظهرت بمظهر الدولة وعملت كما تعمل الدولة فليس هناك من يستطيع في النهاية ان يحرمك من تلك الدولة". وكان هذا هو التحول المؤسساتي الذي جعل البنك الدولي يعلن ان فلسطين جاهزة لاقامة الدولة. وقد وصف فياض ذلك بقوله "دخلنا قاعة الامتحانات ونجحنا".

غير ان القائم باعمال رئيس الحكومة الفلسطينية اصطدم بجدار. وكان مكونا من عنصرين: الانقسام الفلسطيني والتعنت الاسرائيلي. فايهما كان الاشد قسوة عليه؟ كل منهما كان مدمرا. ومن الطبيعي انهما يغذيان بعضهما بعضا. ولم يُجدِ التردد الاميركي نفعا.

حركة "فتح" التي تعتبر الحركة السياسية الرئيسية في الضفة الغربية، هي حزب ثوري، وقد ارهقت نفسها. فهي متجمدة وقاتمة، ليس لديها تفويض شعبي او استراتيجية لاقامة الدولة، يرأسها رجل كبير السن عمره 78 عاماً، هو عباس،الذي لم يجرؤ على تبني البرنامج السياسي لشخص من خارج اطارها، هو فياض، رغم ان ذلك البرنامج وفر النمو والمسؤولية والامن.

لم يجسر عباس، الذي تلقى علومه في موسكو، وفياض، الذي تلقى علومه في تكساس بالولايات المتحدة، الهوة الثقافية التي نبعت من هاتين الثقافتين قط. فاسلوب امكانية فعل الشيء ليست في المنهاج الدراسي السوفياتي. وامتنع عباس عن دعم فوائد انجازات فياض. ورفض استخدام استقامة فياض واخلاقيات عمله كسبيل للتغيير. كان الوضع اشبه بزواج مصلحة صعب. ويعتقد فياض ان الحزب امضى وقتا اطول في الاهتمام بما يفعله من ايجاد حل لاي امر.

يقول فياض ان "حركة فتح ستنهار، اذ ان فيها قدراً كبيراً من الرغبة في التحرر من الاوهام. ففي هذا العام، خسر الطلبة 35 يوما دراسيا في الاضرابات. ونحن في حالة افلاس. ولا يمكن المحافظة على الوضع الحالي. وفي نهاية اليوم فانه ليس مهما ماتقوله اي دول اجنبية عن تغير الامور نحو الافضل، لانني اعيش ذلك الوضع. لقد عشت سنين عجافا من قبل. لكن كفى ما كفى. وهذا القدر من السم لا بد ان يسبب وضعا كارثيا. النظام لا يستوعب والبلاد تعاني. وهم ليست لديهم الرغبة في تغييير اساليبهم، ولذا فان علي ان اغادر".

ثم كانت هناك "المشكلة الكبرى" – الاحتلال الاسرائيلي الذي لم يتراجع رغم تحول الوضع الامني. بل انه ازداد تشابكا بتوسيع المستوطنات والهدم والطرد والاقتحام العسكري حتى في المناطق التي تخضع اسما للسيطرة الفلسطينية.

ولدى فياض قناعة بضرورة قيام دولتين جنبا الى جنب في سلام وامن، وينظر الى اسرائيل على انها المحاور بين الجنة والجحيم. كان مسؤولا ومصمما في معارضته للعنف. وكان الفلسطيني الذي افرغ الاعتقاد بوجود شعب يؤمن بالارهاب والفساد والفوضى من مضمونه. وهكذا فان اسرائيل لم تقف الى جانبه اكثر من وقوفها الى جانب "فتح". ولم يكن هناك موقف اسرائيلي للتعويض على الخطوات الفلسطينية التقدمية.

قال لي فياض "قلت للرئيس اوباما ان لا بد من بناء الكوخ قبل بناء ناطحات السحاب. الاسرائيليون لم يعيدوا جني الاحتلال الى قمقمه. وعلينا ان نتأكد ان بامكان اخواننا البدو في غور الاردن الحصول على مياه الشرب قبل ان نبحث في الترتيبات النهائية. هذا حق من حقوق الحياة بالنسبة الى لفلسطينيين".

وفي اعتقاده ان على الولايات المتحدة التي تحاول الان اقامة المفاوضات المباشرة عن طريق تبادل الافكار القائمة بدلا من اي افكار جديدة، ان توجه سؤالا مباشرا لرئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو: ما الذي تعنيه بدولة فلسطينية؟

تفيد الدلائل القليلة التي صدرت عن نتنياهو ان هذه الدولة ستضم مستوطنات اسرائيلية كبيرة، او ان تكون لها السلطة على غور الاردن الاستراتيجي (الذي يمثل 25 في المائة من اراضي الضفة الغربية). اما القدس الكبرى باكملها فتبقى اسرائيلية. ويُنزع سلاح الفلسطينيين.

وقال فياض ان "دولة من الفتات لن تكون ذات نفع".

لكن نتنياهو، من حزب الـ"ليكود" عارض اتفاق اسحق رابين في اوسلو، وهو غير مقتنع داخل نفسه بالحاجة الى الاستمرار في امتلاك كل "ارض اسرائيل" (تعبير توراتي يستخدم على نطاق واسع للاشارة الى المنطقة التي تقع بين البحر الابيض المتوسط ونهر الاردن، وتضم كل الضفة الغربية)؟ ثم أليس من بين وزرائه في حكومته الجديدة، بمن فيهم نفتالي بينيت، وزير الاقتصاد، من يرون في فكرة دولة فلسطين اكثر من امر يدعو الى الهزء؟

يعتقد فياض انه ربما كان على رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يقول شيئا مثل هذا للاسرائيليين. "صحيح ان هناك تعاقداً مع الله الذي اعطانا هذه الارض، الا ان هناك 4.4 مليون شخص اخر على هذه الارض يريدون ممارسة حقوقهم في تقرير المصير، ولربما نستطيع ان ندخل تعديلات بسيطة على هذا التعاقد".

لكن شيئا من هذا لن يحصل. فما الذي سيحصل؟ يصف فياض مبادرة ادارة اوباما بانها "تنطوي على مخاطر كبيرة". ووزير الخارجية جون كيري يحاول فتح سبيل الى المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية بمبادرات اقتصادية مثل التنمية السياحية في البحر الميت. ولكن يبدو، من وجهة النظر الفلسطينية، ان ليس هناك ما يستحق الذكر من حيث تحسين الاحوال الانسانية – بتوصيل المياه ووقف عنف المستوطنين وانهاء عمليات الهدم – واقل منه في ان يتوقف نتنياهو عن العودة الى الوراء من جديد.

يقول فياض "اسرائيل تقول لا لهذا ولا لذاك، ويؤخذ ذلك على انه نهاية الحديث. ليس هناك من شيء يسند المبادرة الاميركية. فكيف يمكن للمرء ان يستثمر فيها؟".

ورغم تشاؤمه فان فياض يعتقد ان الفلسطينيين لا يملكون ان يتوانوا للحظة في نضالهم من اجل اقامة الدولة. والعنصر الاساسي المفقود هو الوحدة. يجب ان تكون هناك حكومة واحدة في الضفة الغربية (التي تسيطر عليها "فتح" الان) وغزة (التي تسيطر عليها "حماس"). "ولنكن دقيقين. اذ لن تكون لدينا دولة ما لم نوحد صفوفنا اولا".

والشرط المسبق الاساسي لهذا الوضع، كما يقول، هو "قاعدة امنية تقوم على عدم استخدام العنف". على "حماس" ان تنبذ العنف تماما،عندها تكون هناك "شروط لعملية الانطلاق التي لن تكون كاملة. ولكن متى يعم الكمال؟"

بامكان حكومة الوحدة ان تدير الشؤون اليومية، وفوق ذلك كله الاعداد لانتخابات وطنية لمعرفة اين يقف الفلسطينيون. اما وقد مضت سبع سنوات من دون انتخابات فانها مدة زمنية طويلة للغاية. فليس لحكم اي من "فتح" أو"حماس" شرعية ديمقراطية. وتظل مواقفهما مواقف لا يمكن الدفاع عنها بينما هما تتمسكان بالسلطة.

يجب على الولايات المتحدة واوروبا ان تجعلا اجراء انتخابات فلسطينية اولوية دبلوماسية. فمن دون ذلك ستكون محادثات السلام مجرد ثرثرة في فراغ. وبالطبع ستمثل حكومة وحدة وطنيةً، حتى لو كانت حكومة نبذت العنف رسمياً، معضلة دبلوماسية قاسية. ذلك ان "حماس" ملتزمة في عقيدتها بتدمير اسرائيل.

ومن مصلحة اميركا في المحصلة تشجيع الوحدة الفلسطينية، بشرط ان تكون قائمة على اساس نبذ العنف. وهناك، في نهاية الامر، اعضاء في الحكومة الاسرائيلية ملتزمون بعدم وجود فلسطين. والمرء لا يختار محاوره في محادثات سلام. لقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية باسرائيل. وبوسع عباس، بصفته زعيم منظمة التحرير، ان يتحدث باسمها ويمثلها في المحادثات. والامر المهم ليس الشعارات وانما الارادة للتحرك الى امام – وفي الوقت الحاضر لا يوجد ما يشير الى وجود مثل هذه الارادة.

عباس محشور الآن. لقد ناشد الفصائل ان تضع الخلافات جانباً وقال انه يريد حكومة وحدة للتحضير لانتخابات.

وتبدي "حماس" فتوراً تجاه الفكرة. ويدور حديث في رام الله عن تسميته مساعداً موثوقاً، هو محمد مصطفى، المدير التنفيذي لصندوق الاستثمار الفلسطيني، ليحل محل فياض. وهناك حديث عن تسمية عباس نفسه ليحل محل فياض. وثمة حديث عن عدم تسميته اي احد وعن امله في ان يواصل فياض الحضور الى المكتب.

يقول لي فياض انه لن يسمح لقصور الفعل من جانب الرئاسة بان يبقيه في منصبه. وسيكون قد ذهب في غضون ثلاثة الى اربعة اسابيع – ولكن ليس كلياً. وبالرغم من اشاعات يروجها اعداؤه عن عودة الى صندوق النقد الدولي، فانه سيبقى في المكان. وهو يقول: "سأفكر، واذا جاءت الانتخابات، ولا بد ان تأتي لأنها ذات اهمية حيوية، فسأرى ما هي الطريقة الافضل للمشاركة فيها".

لقد بلغ الفلسطينيون نقطة "ألتالينا" الخاصة بهم (الحسم في مواجهة الانقسام) كما حدث بعد اعلان قيام اسرائيل في 1948، عندما قاومت جماعة ارغون اليهودية المتطرفة دمجها في الجيش الاسرائيلي واصرت على تلقي اسلحة كان يجري شحنها من ميناء مرسيليا في السفينة "ألتالينا". وقد اندلعت معركة ضارية قتل فيها عديدون. واعلن بن غوريون: "لا يمكن ان يكون هناك جيشان ولا يمكن ان تكون هناك دولتان".

يقول فياض: "انا استقلت من منصبي، هذا كل ما في الامر. انا غير مستقيل، حتى لو تضاعف المي عندما يكون عدم تحقيق تقدم ناتجاً عن تقصيرنا. سأموت من دون ان اغير اعتقادي بان بوسعنا نحن الفلسطينيين ان نثبت خطأ من يشككون بنا".

رابط الخبر من صحيفة نيويورك تايمز :
http://goo.gl/jYdAP
alt




التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل