متطوعون من أجل الاستغلال .. فهل من مستغِل ؟

متطوعون من أجل الاستغلال .. فهل من مستغِل ؟

 

منار مصطفى حربية

منذ صغرنا ونحن نتلقى تربية من بيئات نعيش فيها ونندمج معها , بدءا من البيت والمدرسة ومرورا بالمجتمع المحيط وانتهاء بمكان عملنا بعد تجاوزنا , على الأغلب , المرحلة الجامعية , وتتركز تلك التربية على مفاهيم عدة من أهمها التطوع وفعل الخير. وبالطبع فان التطوع ينشأ لدينا بمفهومه البرئ الخالي من حقد أو خيانة أو تلاعب مجتمعي, فنتعلم أن التطوع هومبادرة شخصية نابع من الذات بنسبة 100 % , فالتطوع أن تقدم خيرا وقتما تشاء وأينما تشاء دون وجود قوى خارجية تتسبب في " إحراجك " أو " استغلالك" لمصالحها الشخصية وتستخدم مصطلح التطوع للتأثير عليك واجترار عواطفك نحو الأعماق لكي تفعل ما تؤمر به تحت تأثير " العشرة والخبز والملح" , تماما وكأنك تحت تنويم مغناطيسي.

لكننا مع الأسف لا نتلقى تنبيها أو تحذيرا من الأهل والمدرسة بأن المجتمع الخارجي الذي سننطلق منه لممارسة عملنا سوف يكون لنا بالمرصاد ويمارس الضغوطات الكثيرة علينا تحت مسمى " متطوعون" . فتجد الكثير من المؤسسات حديثة الولادة ممن تدعي عدم توفر الميزانية الكاملة واللازمة لتوظيفك على الفور بان تضعك تحت خيارين : إما أن تتطوع وبعد انتهاء مدة التطوع " بصير خير" وإما أن ترفضك وتضيف إليك معلومة بان نسبة الوظائف المتوفرة في فلسطين تقارب على الصفر أو اقل , وتقنعك بطريقتها الخاصة أن تطوعك سيزيد من خبرتك ويعطيك لمحة بسيطة عن مستوى العمل الذي قد ترغب به في المستقبل , والحقيقة غير ذلك , فمعظم المؤسسات تتذكر " بالصدفة ويا سبحان الله " كل الأعمال المتراكمة عليها منذ عامين وتصبها في حجرك لتقوم بانجازها في اقل فترة زمنية ممكنة .

ولا تكتفي بذلك , بل إنها تجبرك على الالتزام بوقت تراه هي مناسبة حسب جدول المؤسسة الزمني , بحجة أنها تعلمك وتدربك على الالتزام بضغط العمل حتى لو كنت مشغولا بعمل آخر أو ليس لديك المزاج المسموح به للتطوع , وهنا ينقلب التطوع " عملا قسريا وإجباريا " لا خيار لك كخريج حديث " مسكين / مغلوب على أمره " برفضه ولأنك لم تتلوث بعد بخبث مجتمع العمل والمؤسسات ونيتك فقط أن تزيد من خبرتك كون معظم الوظائف تتطلب خريجين بـ 3 سنوات فما فوق , والأمر جدا منطقي ! والمصيبة والأدهى من ذلك حين تقضي فترة لا باس بها بالتطوع والعمل بلا مقابل ومن ثم تأتي المؤسسة وتقوم بتوظيف شخص من الخارج لم يقدم للمؤسسة خيرا قط , حينها تشعر بحجمك يتقلص كالنملة وتضيع القيم التي نشأت عليها هباء منثورا وتبدأ القيم السلبية بالنشوء لديك كالخيانة واللجوء للواسطة وتفضيل المصلحة الشخصية على العامة بدرجات.

فإلى متى الاستغلال المتعمد للمتطوعين والخريجين الجدد ؟

أطالب المسؤولين , أيا كانوا , أن يتابعوا هذه القضية كونها تسبب إحباطا كبيرا في أوساط الشباب وتنقص من قيمة التعليم والجامعي وأطالب بان يكون هناك نقابة خاصة بالمتطوعين أو مجلس أو حتى وزارة تعنى بهم وتتابع شؤونهم وتحميهم من الاستغلال المجتمعي لهم , وان توفر لهم عقودا واضحة الشروط بخط زمني واضح ووظائف وأعمال موكلة إليهم واضحة المعالم , مع معاقبة المؤسسة التي تخل بالشروط وتشوه مفهوم التطوع والمتطوعين , فإذا أردتم يا من تنادوا بالتطور والتقدم وحماية الشباب , أن تنعم فلسطين بالسلام الداخلي ويتحقق مفهوم المواطنة لديها فعليكم أن تمارسوا سلطتكم بشكل كبير في هذا المجال ,فالموضوع جدا خطير وحساس ومدمر لفئة تشكل نسبة كبيرة من المجتمع الفلسطيني, وان كنتم ترفضون ذلك وترفضون المساعدة , فسأشكل إنا وغيري نقابة ونسير على ما تريدون ونسميها " متطوعون من اجل الاستغلال ... فهل من مستغِل؟ " .

alt


التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل